إفتتاحية جريدة العاصمة/ طاليس الحسوني
كلما ضاقت المساحات السياسية أمام عبد الله بوانو، عاد إلى الوصفة نفسها، مهاجمة عزيز أخنوش وحزب التجمع الوطني للأحرار، وكأن الرجل اختزل العمل السياسي كله في معارضة شخص واحد وحزب واحد، متناسياً أن الرأي العام لا يحاسب السياسيين على حدة خطاباتهم، بل على ما قدموه من إنجازات حين كانت السلطة والتدبير بين أيديهم.
والمثير في الأمر أن بوانو، الذي خاض لسنوات معارك سياسية وإعلامية ضد القوانين الانتخابية الجديدة واعتبرها مساسا بالتنافس السياسي، وجد نفسه في نهاية المطاف من أكبر المستفيدين منها، فالقواعد التي رفضها بالأمس، هي نفسها التي مهدت له طريق العودة إلى البرلمان، بعدما أفرزت انتخابات 8 شتنبر واقعا سياسيا جديدا لم يكن في صالح حزبه ولا في صالح عدد من رموزه التاريخية.
ولعل الذاكرة السياسية للمغاربة لا تزال تحتفظ بمحطات عديدة كان بوانو خلالها في قلب القرار الحزبي والمؤسساتي، سواء داخل البرلمان أو خلال مرحلة تدبير الشأن المحلي بمكناس. غير أن استحضار تلك المرحلة يعيد إلى الواجهة أسئلة أكبر من الشعارات والخطب الرنانة، ماذا تحقق للمدينة؟ وأين هي المشاريع المهيكلة التي ما زالت الساكنة تتحدث عنها إلى اليوم؟ وما هي الملفات الكبرى التي تم حسمها بشكل نهائي خلال سنوات التدبير؟
فعندما يتعلق الأمر بالحديث عن الآخرين، يبدو بوانو متحمسا ومستعدا لخوض كل المعارك، أما عندما يتعلق الأمر بتقييم تجربته وتقديم حصيلته للرأي العام، فإن الصمت يصبح سيد الموقف، وهنا تكمن المفارقة، إذ لا يمكن لمن قضى سنوات في مواقع المسؤولية أن يتحدث وكأنه كان دائما في صفوف المعارضة أو خارج دائرة القرار.
لقد تعبت مكناس من السجالات العقيمة التي لا تنتج تنمية ولا توفر فرص الشغل ولا تحسن الخدمات، كما تعب المواطن من سياسيين يستحضرون الأخلاق والشعارات الكبرى كلما كانوا خارج مواقع التدبير، ثم تختفي تلك الشعارات عندما تتاح لهم فرصة تحمل المسؤولية.
ويبدو أن بوانو يدرك جيدا أن مهاجمة أخنوش والأحرار تضمن له حضورا إعلاميا وعناوين جاهزة، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لكن صناعة الجدل ليست هي صناعة الثقة، ورفع الصوت ليس بديلا عن الإنجاز، كما أن تكرار الاتهامات لا يعفي أي مسؤول من تقديم كشف حساب عن السنوات التي تولى فيها المسؤولية.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست منافسة في من يهاجم أكثر، بل في من يقنع أكثر. والناخب المغربي الذي أسقط الكثير من المسلمات السياسية خلال السنوات الأخيرة، أصبح أكثر وعيا بضرورة التمييز بين من يملك حصيلة يتحدث بها للناس، ومن لا يملك سوى استهداف الخصوم كوسيلة للبقاء في دائرة الضوء. لذلك، فإن تحويل الهجوم على الأحرار وأخنوش إلى مشروع سياسي وحيد لن يكون كافيا لمحو ذاكرة التدبير، ولا للهروب من الأسئلة الثقيلة التي ما زالت تنتظر أجوبة واضحة وصريحة من بوانو ومن معه.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *